الجاحظ
306
المحاسن والأضداد
وجعلوني مكانها لئلا أتاذى بالغنم . وإني لمضطجع ، إذا أنا بيد إنسان يجامشني ، ويريد في الظلمة مؤاتاتي ؛ فقعدت ، فإذا أنا برجل يمد يده ، ومعه علبة فيها أرنب مشوية ، فأخذتها وجعلتها في شيء كان معي . ثم مد يده ثانيا ، فناولته يدي ، فأقبضني على غرمول كمثل الوتد ، فلم أنفر منه ، ولم أره وحشة ؛ وجررت ما عندي ، وتناولت يده ، فأقبضته على مثل ما أقبضني عليه ، ففطن ، ورمى بملحفة خزّ كانت عليه ، ووثب مذعورا ، فنفرت الإبل ، وهاجت الغنم ، وكدت أغشى لما بي من الضحك ، وأخفيت ما بي وكتمته . فلما أصبحت ، ركبت راحلتي ، ومعي الملحفة والأرنب . امتد الضحى ، إذا أنا بإبل فأخذت نحوها ، فإذا شاب حسن الهيئة ؛ فسلمت عليه ، فردّ السلام ثم قال : « إن كان معك ما نأكل مصب من هذا الوطب » . فأخرجت العلبة ، فلما رآها عرفها ، وقال : « إنك هو » ؟ قلت : « وما هو » ؟ قال : « صاحب البارحة » ؟ قلت : « نعم ، إن كنت إياه » قال : « الحمد للّه الذي أتى بك ، لو لم تأت لظننت أني أوسوس وذلك أني لصاحبة الستر عاشق ؛ وتعلم ما فعلت وما فعلت البارحة ، ولا تطيّق حتى ابتلاني اللّه بك البارحة ، وجعلت أقول حين أقبضتني عليه : أتراها تحولت رجلا ؟ وإني لفي شك من أمري حتى أتاني اللّه بك » . فأكلت أنا وهو ، الأرنب ، وشربنا من اللبن ، وصرنا أصدقاء . قال الأصمعي : أتى خالد بن عبد اللّه أعرابي ، فأضافه وأحسن إليه وبذل له صحن الدار ؛ فلما كان في بعض الليل ، أشرف عليه يتعاهد منه ما كان يتعاهد من ضيفه ، فإذا هو قد دب على جارية ، وهو على بطنها ، فأعرض عنه ؛ فما لبث الأعرابي أن فرغ وقام يمسح فيشلته ، فضربته عقرب ، فصاح واستغاث ، وأشرف خالد عليه وهو يقول : وداري إذا نام سكانها * تقيم الحدود بها العقرب إذا غفل الناس عن دينهم * فإنّ عقاربنا تغضب ! !